أحمد أمين

76

كتاب الأخلاق

للمجموع ، والعقوبات التي توضع بإزاء الجريمة يجب أن يلاحظ فيها أنها تأتي بلذائذ للناس أكثر مما يسبب من الآلام ، وهكذا . 3 - مذهب اللقانة « 1 » : يرى هذا المذهب أن كل إنسان قوة غريزية باطنة يميز بها بين الخير والشر بمجرد النظر ، وقد تختلف هذه القوة اختلافا قليلا باختلاف العصور والبيئات ، ولكنها متأصلة في كل إنسان ، فهو إذا نظر إلى العمل حصل عنده نوع من الإلهام يعرفه قيمته ، فيحكم عليه بأنه خير أو شر من أجل هذا اتفق أكثر الناس على الفضائل من صدق وكرم وشجاعة ، كما اتفقوا على عد أضدادها رذائل . ألا ترى الأطفال والذين لم يأخذوا بحظ من العلم يحكمون على الكذب بأنه شر من غير إعمال فكر ، ويحتقرون السارق ويعدون السرقة جريمة ، ولو لم يكن لهم من النظر البعيد ما يرون به الضرر الذي يحيق بالمجتمع من وراء الكذب أو السرقة . هذه القوة غريزية فينا لا مكتسبة منحناها لنميز بها الخير من الشر ، كما منحنا العين لنبصر بها والأذن لنسمع بها ، فكما نستطيع بمجرد النظر إلى شيء أن تقول : أبيض أو أسود ، وبمجرد سماع صوت أن نقول : إنه جميل أو قبيح كذلك نستطيع إذا رأينا عملا من الأعمال أن نقول : إنه خير أو شر . ولسنا نحكم على الشيء بأنه خير أو شر نظرا إلى غاية ؛ كتحصيل لذة أو فرار من ألم ، كما يقول أصحاب مذهب السعادة ، ولكننا نحكم عليه لأن غريزتنا ترشدنا إلى ذلك بقطع النظر عما ينتج من النتائج ، فالصدق خير في ذاته ولو أنتج ألما ، والكذب شر يلزمنا اجتنابه ولو وصلنا إلى لذة ، فليست الأعمال الأخلاقية وسائل بل مقاصد ، والفضيلة لها قيمة ذاتية بها كانت فضيلة ، وليس كونها فضيلة يتعلق بشيء خارجي ككونها تنتج لذة أو نحو ذلك .

--> ( 1 ) جاء في لسان العرب : « غلام لقن : سريع الفهم ، ولقن الشيء والكلام فهمه والاسم اللقانة » ، فآثرنا أخذها ووضعها لكلمة ) noitiutni ( كما فعل الفرنج ، فإن هذه الكلمة عندهم كان معناها في الأصل النظر إلى الشيء ، ثم استعملوها في المعنى الجديد وهو « القوة الباطنة التي تدرك أن الشيء خير أو شر بمجرد النظر إليه من غير نظر إلى نتائجه » ، فلنصطلح على تسمية هذه القوة ( اللقانة ) .